من يطعم باريس : نقاش في الرأسمالية

 أشار الكاتب تشارلز ويلان في كتاب “الاقتصاد عاريا” إلى السؤال المجازي التالي:

” من يطعم باريس ؟”

وفيما يلي ملخص كامل لنقاش هذا التساؤل، والذي أشار إلى عيوب الرأسمالية وما انعكس سلبا على التطبيق في الاقتصادات.


مع تداعي سور برلين عام 1989 اتخذ مدير شركة كوكاكولا قرار مفاجئا حينما أمر مندوبي الشركة بتوزيع الكولا مجانا.

وقد وجد الكثيرون في هذا القرار قرارا خاسرا على المدى القصير، خاصة وأن العملة الألمانية كانت غير ذات قيمة آنذاك.

إلا أن القرار كان قرارا تجاريا بالغ الذكاء؛ وذلك حينما نعلم أن استهلاك الفرد الألماني في ألمانيا الشرقية عام 1995 زادت لتصل إلى نفس نسبة استهلاك الكولا في ألمانيا الغربية.

هذا هو بالضبط محور الرأسمالية حيث لا اهتمام من قبل الشركات إلا بتحقيق مصالحهم بغض النظر عن أية أمور أخرى.

إن هذا المثال التاريخي يُعتبر مدخلا شموليا لتوضيح الهدف من وراء طرح السؤال الخاص بمن يطعم باريس؟

إن السؤال المجازي الذي يطرحه الاقتصاديون في أحيان كثيرة هو: ” من يطعم باريس ؟”، يُطرح بهدف جذب الانتباه.

حيث يقصد الاقتصاديون من خلاله جذب الانتباه إلى كمية المعاملات الهائلة التي تدور حولنا ومدى التطور الذي وصلنا إليه.

وقد أعطى الكاتب في كتابه مثالا توضيحيا على مدى التطور؛ حينما قارن بين قدرتنا الحالية على شراء جهاز تلفاز وتكلفة الحصول على هذا الجهاز في العام 1971.

حيث انخفضت التكلفة وأصبحت وسيلة التملك أكثر سهولة، وبجودة أفضل، ولكن دونما التطرق إلى تحسن اقتصاد ذلك البلد المستهلك من وراء هذا المنتج أو الخدمة.

إن هذه الآليات وإن حدثت بهذه السهولة، فقد حدثت بفضل انفتاح الاسواق على بعضها، وانتقال السلع بطرق اكثر سلاسة مع زيادة تحسين جودة الحياة عن ذي قبل، وإن كان ذلك بحد ذاته ليس دليلا شاملا على الرفاهية الكاملة والحقيقية للفرد، إذا نظرنا إلى واقع سكان العالم بشكل مقارَن.

نعم! إن السؤال المجازي ” من يطعم باريس ” هو سؤال فلسفي واسع النطاق؛ حيث نتحدث عن فلسفة الاقتصاد المفتوح.

اقتصاد يتحدث عن تطور الحياة الإنسانية ولكن من باب تحقيق المصالح لفئة معيّنة قد تبدو صغيرة مقارنة بالجموع العامة.

حيث تجتذب الأرباح في اقتصاديات السوق المفتوحة أصحاب رؤوس الأموال، كما يجتذب الدم أسماك القرش في الماء.

وإن تحدثنا عن أن السوق الحر لا يهتم بالأخلاقيات فإننا لا نقصد أنه غير أخلاقي، بل إننا نقصد أنه لا يهتم بها بسهولة.

أما عن سبب السؤال، فإنه كما يشير الكاتب في نهاية الفصل، هو دفع الحكومات إلى التفكير بسياسات السوق وآلياته.

فليس المهم أن يتم إطعام سكان المُدن أو المناطق، بل يجب الاهتمام بالآليات والوسائل المتبعة في الإطعام.

وعلى الرغم من عدم الاتفاق حول توقيت تدخل الدول وجدوى الإصلاحات والنية التي تقف وراءها، إلا أنه لابد من وضع ضوابط وآليات لضبط الجموح الذي تتمتع به الشركات.

وعلى الرغم من نجاح تحرير الاقتصاد وفتح الأسواق، إلا أن الحديث يدور الآن  عن  تحرير الأسواق من قيود الانتهاز والاستغلال.

مجدي النوري مُدون وصانع محتوى اقتصادي، عمل في مجال الدراسات في إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية في فلسطين، وقام بكتابة العديد من المقالات والأبحاث الاقتصادية، لديه العديد من الشهادات والدورات الاقتصادية لدى العديد من الجهات المحلية والدولية  

اترك تعليقاً