المليارات التي سيخسرها الاقتصاد الفلسطيني في ظل كورونا

مع استفحال المرض في العالم وتجاوزه 2.3 مليون شخص، بدأ منحى التعامل مع هذا التحدي يتجه نحو الاغلاق التام للعالم وللمدن وتجميد الحركة كلياً، هذا الحال اجبر الكثير من الدول لضخ الاموال بالاسواق من اجل تعويض مواطنيها النقص الشديد في السيولة ولتفادي الانهيارات لااقتصادية، وهنا يلوح في الافق سؤال كبير ، ما هي الخسارة المتوقعة التي سيتعرض لها اقتصادنا الفلسطيني اذا استمرت الازمة؟ 

يمتاز اقتصادنا الوطني بخصوصية كبيرة حيث انه اقتصاد يعتمد في غالبه على الاعمال والانشطة والموارد الداخلية ، فالتصدير لا يشكل اكثر من 1 الى 6 من الواردات. والسوق المالي من اصغر الاسواق المالية بالعالم بحيث لا تتجاوز قيمته 3 مليارات دولار في احسن الاحوال وهو اصلا في حالة انخفاض منذ العام 2018، وليس لدينا عملة وطنية لكي نخشى انخفاض سعرها وحصول التضخم، والبطالة اصلا هي في اعلى نسبها حيث تجاوزت 29% ولا يوجد نمو اقتصادي بل تراجع بنسبة 3%.

إذا ما هو الخطر الحقيقي والأثر الاقتصادي لاستمرار الأزمة مدة 5 شهور مع تقييد الحركة جزئيا؟

في فلسطين وبحكم عدم وجود عملة وبالتالي عدم الخشية من التضخم، وثبات قيمة السوق المالي ومحدودية التصدير وبلوغ البطالة الحد الاعلى، وعدم التحكم بأسعار الفائدة ولا أسعار الصرف، فضلا عن انه لا يوجد احتياطات ولا سلة عملات، فان الخسارة ستنحصر في الناتج المحلي الاجمالي والبالغ في فلسطين 16.27 مليار دولار في عام 2018 ( دائرة الاحصاء المركزية حيث لا يتوفر بيانات بعد هذا التاريخ علما انه حصل انخفاض على الناتج بنسبة 3% في العام 2019) .

الناتج المحلي الإجمالي

ماذا يعني الناتج المحلي الاجمالي؟

، انه مؤشر اقتصادي يقيس القيمة النقدية لإجمالي السلع والخدمات التي أُنتجت داخل حدود منطقة جغرافية ما (بلد مثلا) خلال مدة زمنية محددة سنة، أو يكون بجمع نفقات الاستهلاك النهائي للأسر والشركات والقطاع الحكومي بالإضافة إلى نفقات الاستثمار ورصيد المبادلات مع الخارج (الفرق بين الصادرات والواردات).

الان سنحلل مصادر وتركيبة الناتج المحلي الفلسطيني :

مصادر الدخل للناتج المحلي الاجمالي والبالغ 16.27 مليار دولار، هي 4.43 الاسر المعيشية وبنسبة 27%، 0.49 مليار من المؤسسات غير الهادفة للربح، 2.14 الحكومة العامة وبمساهمة تقارب 13% بالناتج المحلي ، الشركات المالية 0.78 ، الشركات غير المالية 8.41 مليار اي 52%.

احتساب الخسارة:
اولا الخسارة من دخل الاسر المعيشية:

ان تجمد الاقتصاد وعدم الذهاب الى العمل سيؤدي الى تخفيض كبير على دخل الاسر المعيشية والبالغ 4.43 مليار دولار سنويا، وخاصة العاملين بالداخل الفلسطيني والذي يبلغ عددهم 141 الف عامل و22 الف يعملون بالمستوطنات، وحسب دائرة الاحصاء، فان متوسط الاجر اليومي 261 شيكل اي ستكون الخسارة اليومية لا تقل عن (163 الف عامل* 261شيكل يومي= 42.5 مليون شيكل باليوم حسب معطيات دائرة الاحصاء 2019. ولو تم افتراض عمل 24 يوم * 42.5 مليون شيكل يومي=مليار شيكل تقريبا شهريا وبالدولارات = 291 مليون دولار . اي سنويا 3.4 مليار ، ويشكل هذا الرقم 76.7% من دخل الاسر المعيشية.
وفي حال استمر الواقع الحالي المستجد لمدة 5 أشهر وافترضنا ان نسبة التعطل ستكون 65% فان الخسائرالشهرية ستصل من هذا القطاع لوحده = 291 مليون*65%=189 مليون دولار شهريا . اي 945 مليون خلال الخمسة اشهر القادمة
ولاحتساب الخسائر من مصدر الدخل للاسر المعيشية والذي يشكل فقط 23.3% من مصادر غير العمل في الداخل والمستوطنات( الدخل من العمل غير العمل بالداخل = 4.43 دخل الاسر المعيشي الاجمالي -3.4 مليار دولار الدخل من العمل بالداخل = 1.03 مليار دولار، تقريبا بالشهر= 83.3 مليون.
ولاحتساب ما يخص 5 اشهر تصبح القيمة = 416 مليون ، هذا الدخل سيخسر ايضا 65% وبالتالي = 416* 65%= 270 مليون دولار.
الخسارة الاجمالية = 945 مليون من العمل بالداخل+ 270 مليون من دخل الاسر المعيشية= 1.21 مليار دولار

ثانيا الخسارة من الشركات غير المالية:

يشكل الدخل من الشركات غير المالية النسبة الاكبر من الناتج المحلي وبواقع 8.41 مليار اي بنسبة 52%، هذا القطاع سيتضرر بصورة كبيرة نتيجة الاغلاق المستمر للمحلات وتجمد الحركة الاقتصادية بالبلد. ان انحسار السيولة تدريجيا سيؤدي بالكثير من الاعمال الى التوقف اوالعمل بالحد الادنى، ان الاعمال التي تندرج في القطاع الغذائي هي التي ستكون لها فرصة للاستمرار بعملها بصورة شبه طبيعية . ويشكل نسبة انفاق الفرد على المنتجات الغذائية ما يقارب 30% حسب دائرة الاحصاء وهذا يعني ان هذا القطاع سيستثنى من الاحتساب . ان غالب التعاملات التجارية منحصرة بنسبتها الاعلى داخل الوطن، بناء على معطيات دائرة الاحصاء المركزية فان اجمالي الواردات في عام 2018 بلغت 6.5 مليار دولار وأما الصادرات فلم عن 1.15 مليار بنسبة تقارب 17%. ان مبلغ الاستيراد لوحده يشكل 40% من الناتج المحلي( بقسمة 6.5 على 16.27 مليار).
مجموع المبلغ المنفق في قطاع الشركات سنويا = 8.41 مليار
على افتراض ان اجمالي الانفاق الغذائي يتم من خلال الشركات رغم علمنا ان هناك نسبة تكون على قطاع الاسر المعيشية لكن ليس بنسب مهمة.
ما ينفق على القطاع الغذائي سنويا = 16.27*.30%=4.88 مليار
احتساب الخسائر = 8.41-4.88 = 3.53 * 5/12* 65%=
= 0.95 مليار

ثالثا الخسارة من الانفاق الحكومي:

يشكل الانفاق الحكومي ما قيمته 2.14 مليار دولار وبمساهمة تقارب 13% بالناتج المحلي، تشكل النفقات الجارية 94% كالنفقات على الرواتب والعمليات الجارية للحكومة واما النفقات الرأسمالية فلا تتجاوز 6%. ان ذلك يعني ان غالب هذه النفقات أساسية ولا يمكن أن تقوم الحكومة بادارة مهماتها دون هذه المصاريف والنفقات. ان انخفاض الحركة التجارية سينعكس مباشرة على التحصيل الضريبي والذي اصلا يمثل اساس ايرادات الدولة بواقع لا يقل عن 84% حسب بيانات وزارة المالية للعام 2018. ان انخفاض الدخل يعني ان امام الحكومة ان تجد اي بديل لتغطية تكاليف وفاتورة النفقات الحكومية اما بالاقتراض او الحصول على تمويل دولي والذي يشكل تحد كبير في المرحلة الحالية. قد يكون احد السيناريوهات هو تخفيض الرواتب للموظفين العمومين والبالغ عددهم 188 الف يتقاضون شهريا ما يقارب 556 مليون شيكل شهريا ( 160 مليون دولار تقريبا وذلك حسب موقع الاقتصادية) . وعلى افتراض تم تخفيض الفاتورة بنسبة 40% وتأجيل الدفعات للقطاع الخاص والذي لا يستطيع الان ان يؤجل مستحقاته.
انعكاس ذلك سيكون على الناتج المحلي بانخفاض= الرواتب الشهرية* 40%* 5 أشهر
خسائر الناتج المحلي الاجمالي من الانفاق الحكومي = 160 مليون*40% *5= 320 مليون دولار

رابعا خسائر القطاعات الاخرى:

لا تشكل القطاعات الاخرى أهمية كبيرة من حيث النسبة حيث لا تتجاوز في مجموعها 8% من الناتج المحلي اي بقيمة لا تزيد عن 1.27 مليار وهي اما قطاع مالي وبنكي او قطاعات المؤسسات غير الهادفة للربح والاهلية وهي بغالبها ستحافظ على مساهمتها في الناتج المحلي بنسب قريبة من السابق خلال الخمسة أشهر القادمة.

ملخص انعكاس الخسارة لكل مصدر على الناتج المحلي الفلسطيني خلال الخمسة أشهر
الخسارة من الاسر المعيشية=1.21 مليار دولار
الخسارة من نفقات الحكومة =0.32 مليار دولار
الخسارة من الشركات غير المالية=0.95 مليار
الاجمالي = 2.48 مليار ،
اي ما يقارب 2.5 مليار دولار والعلم عند الله

الدكتور شادي حمد حاصل على شهادة الدكتوراه في المالية من ماليزيا يعمل في مجال الاستشارات المالية والتدقيق الداخلي منذ اكثر من 15 عام. معتمد دوليا في مجال التدريب في المجالات المالية والضريبية. خبرة 21 عام في التدريب المحاسبي والمالي والرقابي. حاصل على عدة شهادات مهنية وعضو مجلس ادارة في المجمع الدولي للمحاسبين العرب. محاضر غير متفرغ في جامعة بيرزيت. عمل سابقا في شركة PWC Director كخبير في المجال الضريبي. خبير في المجال الاحصائي وباحث تمكن من النشر في عدة مجلات دولية. مستشار مالي لعدة شركات محلية ودولية. تجربة مميزة في اعداد دراسات الجدوى والمشاريع الاقتصادية.

One thought on “المليارات التي سيخسرها الاقتصاد الفلسطيني في ظل كورونا

اترك تعليقاً